ابن الأثير

286

الكامل في التاريخ

طاهر ، وأتى بي رجلا من أصحاب طاهر ، وأعلمه أنّي من الذين خرجوا من الحرّاقة ، فسألني من أنا ؟ فقلت : أنا أحمد بن سلّام ، صاحب المظالم ، مولى أمير المؤمنين ، قال : كذبت ، فأصدقني ! قلت : قد صدقتك . قال : فما فعل المخلوع ؟ قلت : رأيته وقد شقّ ثيابه ، فركب ، وأخذني معه أعدو ، وفي عنقي حبل ، فعجزت عن العدو ، فأمر بضرب عنقي ، فاشتريت نفسي منه بعشرة آلاف درهم ، فتركني في بيت ، حتى يقبض المال ، وفي البيت بواريّ وحصر مدرّجة ووسادتان . فلمّا ذهب من اللّيل ساعة ، وإذ قد فتحوا الباب ، وأدخلوا الأمين ، وهو عريان ، وعليه سراويل ، وعمامة ، وعلى كتفه خرقة خلقة ، فتركوه معي ، فاسترجعت وبكيت فيما بيني وبين نفسي ، فسألني عن اسمي فعرّفته ، فقال : ضمّني إليك ، فإنّي أجد وحشة شديدة . قال : فضممته إليّ ، وإذا قلبه يخفق خفقا شديدا ، فقال : يا أحمد ! ما فعل أخي ؟ قلت : حيّ هو . قال : قبّح اللَّه بريدهم ، كان يقول : قد مات شبه المعتذر من محاربته ، فقلت : بل قبّح اللَّه وزراءك ، فقال : ما تراهم يصنعون بي ، أيقتلونني أم يفون لي بأمانهم ؟ فقلت : بل يفون لك . وجعل يضمّ الخرقة على كتفه ، فنزعت مبطّنة كانت عليّ ، وقلت : ألق هذه عليك ! فقال : دعني ، فهذا من اللَّه ، عزّ وجلّ ، في مثل هذا الموضع خير كثير . فبينما نحن كذلك ، إذ دخل علينا رجل ، فنظر في وجوهنا ، فاستثبتها ، فلمّا عرفته انصرف ، وإذا هو محمّد بن حميد الطاهريّ ، فلمّا رأيته علمت أنّ الأمين مقتول ، فلمّا انتصف اللّيل فتح الباب ، ودخل الدار قوم من العجم معهم السيوف مسلولة ، فلمّا رآهم قام قائما ، وجعل يقول : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، ذهبت ، واللَّه ، نفسي في سبيل اللَّه . أما من مغيث ،